اقسام الموقع
هاتف : 00442036125563 | البريد الالكتروني : info@lyricsmedia.co.uk

تحت أضواء الكريسمس كان عازف الساكسفون العجوز يفترش رصيف شارع اوكسفورد في قلب لندن ليقدم معزوفات مختلفة، بينما يضع المارة قطع النقود في حقيبته المطروحة على الارض، وحين اقتربنا منه وسألناه عن سبب جلوسه بدأ بسرد حكايته التي جعلته يتوجه الى العزف على قارعة الطريق، فقال “اسمي جاي وقد تجاوزت السبعين من عمري ولكني لم أكن عازفا في أي يوم، ما حصل اني صدمت قبل خمس سنوات بوفاة زوجتي ووجدتني وحيدا في البيت استسلم للحزن والكمد، وكان الساكسفون متروكا في البيت فبدأت انفخ به رغبة بالتنفيس عن نفسي ثم أخذت بتقليد المعزوفات المعروفة حتى اتقنت بعضها، وحينها قررت الخروج من البيت والجلوس على الرصيف للعزف، وصرت اعزف موسيقى اسميتها “اغنية آنا” وقد اهديتها الى آنا زوجتي، وفي كل مرة اعزفها اشعر انها تسمعني، وشعرت اني وجدت الطريقة التي اواجه بها حزني، فلو لم اجلس هنا للعزف لما اهتم بي احد، هنا اتواصل مع الناس وأرى ابتساماتهم، بينما لا يوجد عندي في البيت غير الحزن والوحدة”
و”جاي” ليس العازف الوحيد في المدينة، اذ لا تخلو الساحات ومحطات القطار والأسواق المكتظة من عازفين يختلف مستوى أدائهم وأسباب عملهم لكنهم يشتركون في قدرتهم على جذب الانتباه والحصول على مبالغ لا بأس بها من عملهم هذا، فقد ذكرت سيدة بريطانية أن الشائع عنهم أنهم يحصلون على ما لا يقل عن مئة باوند يومية أي ما يعادل 150 دولارا وهو مبلغ ليس بالقليل.
ولو عدنا الى العازفين المتجولين للموسيقى الكلاسيكية نجد أن العازفين “مايكل كوبلي “و”داغ انجرام” التقيا عام 1970عندما كانا طالبين في جامعة كامبريدج، وقد بدأت رحلتها في العزف للمارة حين كانا في محطة بلكفريرس وليس لديهم ما يكفي من المال للوصول الى منازلهم، فقاموا بالعزف في محاولة لجمع المال من المارة وقد اكتسب عزفهم شهرة ونجاحا دوليا وقاموا بالتجول في اكثر من عشرين دولة، وتم تسجيل اسطوانات موسيقية لهم اقبل عليها الناس في وقتها وحققت لهم نجاحا وشهرة.
ومنذ تأسيس محطات قطارات لندن عام 1863 يقدم العازفون عروضهم حتى وصلت إلى ما يقرب المئة الف ساعة سنويا حسب احصائيات ادارة مواصلات لندن، وهذه العروض يشاهدها مستخدمو المترو الذي يبلغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين ونصف سنويا، كما تجرى اختبارات للعازفين لتقييم أدائهم ومنحهم رخصة العزف امام المارة، حيث يبلغ عدد العازفين في محطات المترو اكثر من 350 عازفا.
ويستمتع الناس عادة بوجود هولاء العازفين ولا ينزعجون من تقديم المال لهم، حيث تقول جاكلين ويلكنستون ( ممرضة) يسعدني منظر هولاء العازفين واشعر انهم يقدمون شيئا جميلا ليومنا وانا اقدر ان كثيرا منهم يعمل من اجل مساعدة الفقراء أو المرضى وهو أمر انساني ينبغي تشجيعه.
بينما يذكر ديفيد ووكر ( مدرس) ان بعض العازفين لا يجدون فرصتهم في تقديم عزفهم الا في الاماكن العامة لذا يقومون بعروضهم للمارة ويلاقون الاعجاب واحيانا فرص العمل، فقد رأيت قبل يومين مجموعة فتيات يتفقن مع عازفين في احدى محطات المترو على حفلة عيد ميلاد يقومون بالعزف فيها مقابل مبلغ من المال وهو أمر جميل ومفيد وعملي.
ويأتي هولاء العازفون من ثقافات وأعراق مختلفة نتيجة لطبيعة التنوع السكاني في العاصمة البريطانية، وهم يقدمون فنونهم وموسيقاهم بمختلف الالات الموسيقية، فلا نستغرب حين نسمع ألحانا شرقية على آلة العود قرب محطة كوفنت جاردن، أو موسيقى ايطالية في محطة اوكسفورد القريبة منها، وفي الغالب يستمع المارة الى مستوى جيد من الموسيقى قد يرافقها العزف بغناء يجبر بعض العابرين على التوقف للاستماع اليه حتى انتهاء وصلته الموسيقية.
والعازفون في الشوارع او محطات المترو ليسوا جميعا من الهواة فمنهم من يدرس الموسيقا لطلبته في المعاهد أو الجامعات كما هو الحال مع العازف الايطالي ماركو فالانكا، أحد عازفي المترو، وهو شاب أنيق يحمل غيتاره بطريقة العازف المحترف، ولا يبدو عليه العوز أبدا؛ فهو يمارس عزفه للتعريف بمواهبه، ولا مانع من الاستفادة من التبرعات، بدأ عزفه على الغيتار وهو في التاسعة عشرة من عمره، وبعد سنوات صار يمارس عزف موسيقى الروك في الأندية مع الفرق المختلفة متابعا مهاراته في العزف على الغيتار، ثم بدأ بالحصول على دروس في الجاز على يد الموسيقي الايطالي انطونيو اونوراتو، وصار يتنقل في أنحاء إيطاليا ثم قرر أن ينتقل إلى لندن عام 2004 حيث بدأ العزف مع فرق الروك البريطانية، وفي الوقت نفسه يمارس العزف في مترو لندن، ويقدم خدماته في تدريس الموسيقى، أو العزف في المناسبات الخاصة، حيث وجد في المترو مكانا ترويجيا مناسبا لفنه.
بينما يعمل آخرون لجمع التبرعات للجهات الانسانية التي تدعم الفقراء والمرضى وضحايا الحروب والمحتاجين، حيث يخصص بعض العازفن اياما محددة للعمل التطوعي لخدمة المجتمع، لكن كثيرا منهم يقوم بالعزف لجمع الاموال التي تساعده في حياته او دراسته، حتى أن سمعة الثراء التي حصل عليها العازفون المتجولون جعلت من هذا العمل حلما لكثير من المراهقين الذين يتمنون الحصول على المال لشراء الاجهزة الاكترونية الحديثة كما عبرت رايتشل اذا تقول انا في الخامسة عشر من عمري ولا اعرف إن كان مسموحا لي أن اعزف للمارة، لكني ارغب ان اجمع النقود لاشتري جهاز “بلاك بيري” الذي طالما رغبت بالحصول عليه.
العازفون المتجولون يقدمون موسيقى وفرحا للناس لكنهم يحتفظون بقصصهم المؤلمة لانفسهم، وحين تظهر في معزوفاتهم فهي تعبر عن حب كبير ترك آثاره على ارواحهم.